عبد الرحمن السهيلي

158

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

بحالة رابعة ، وهي علو شأنه عليه السلام حتى أخاف الملوك وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته ، حتى قال أبو سفيان ، وهو عند ملك الروم ، حين جاءه كتاب للنبي عليه السلام ، ورأى ما رأى من خوف هرقل : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر ، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض ، فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي ، وملك عمان ، ومنهم من هادنه ، وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس ، ومنهم من تعصى عليه ، فأظهره الله عليه ، فهذا مقام علي ، وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس عليه السلام ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون المحبب في قومه يؤذن بحب قريش ، وجميع العرب له بعد بغضهم فيه ، ولقاؤه في السماء السادسة لموسى يؤذن بحالة تشبه حالة موسى حين أمر بغزو الشام فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها ، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد إهلاك عدوهم ، وكذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من أرض الشام ، وظهر على صاحب دومة حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيراً ، وافتتح مكة ، ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه ، ثم لقاؤه في السماء السابعة لإبراهيم عليه السلام لحكمتين : إحداهما : أنه رآه عند البيت المعمور مسنداً ظهره إليه والبيت المعمور حيال مكة ، وإليه تحج الملائكة ، كما أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة ، وأذن في الناس بالحج إليها والحكمة الثانية أن آخر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حجه إلى البيت الحرام ، وحج معه نحو من سبعين ألفاً من المسلمين ، ورؤية إبراهيم عند أهل التأويل تؤذن بالحج ، لأنه الداعي إليه والرافع لقواعد الكعبة المحجوبة ، فقد انتظم في هذا الكلام الجواب عن السؤالين المتقدمين ، أحدهما : السؤال عن تخصيص هؤلاء بالذكر ، والآخر : السؤال عن تخصيصهم بهذه الأماكن من السماء الدنيا إلى السابعة ، وكان الحزم ترك التكلف لتأويل ما لم يرد فيه نص عن السلف ، ولكن عارض هذا الغرض ما يجب من التفكير في حكمة الله ، والتدبر لآيات الله ، وقول الله تعالى : « إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون » وقد روي أن تفكر ساعة خير من عبادة سنة ما لم يكن النظر والتفكير مجرداً من ملاحظة الكتاب والسنة ، ومقتضى كلام العرب ، فعند ذلك يكون القول في الكتاب والسنة بغير علم عصمنا الله تعالى من ذلك ، وجعلنا من الممتثلين لأمره حيث يقول : فاعتبروا يا أولي الأبصار وليدبروا آياته ، وليتذكر أولو الألباب ، ولولا إسراع الناس إلى إنكار ما جهلوه ، وغلظ الطباع عن فهم كثير من الحكمة لأبدينا من سر هذا السؤال ، وكشفنا عن الحكمة في هؤلاء الأنبياء المسلمين في هذه المراتب أكثر مما كشفنا . البيت المعمور : فصل : وذكر البيت المعمور ، وأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك روى ابن سنجر عن علي رحمه الله قال : البيت المعمور بيت في السماء السابعة يقال له : الضراح ، واسم السماء السابعة : عريبا ، روى أبو بكر الخطيب بإسناد صحيح إلى وهب بن منبه قال : من قرأ البقرة وآل عمران يوم الجمعة كان له نور يملأ ما بين عريباء وجريباء وجريبا ، وهي الأرض السابعة ، وذكر عن عبد الله بن أبي الهذيل قال : البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف دحية عند كل دحية سبعون ألف ملك رواه عنه أبو التياح يزيد الضبعي قال أبو سلمة : قلت ما الدحية ؟ قال : الرئيس . وروى ابن سنجر أيضاً من طريق أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في السماء السابعة بيت يقال له : المعمور بحيال مكة ، وفي السماء السابعة نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسةً ، ثم يخرج فينتفض انتفاضة ، يخر عنه سبعون ألف قطرةً ، يخلق الله من كل قطرة ملكاً ويؤمرون أن يأتوا البيت المعمور ويصلوا فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبداً ، ويولي عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفاً يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة .